ابن الجوزي
139
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( أولئك ) يعني الكفار ( الذين حق عليهم القول ) أي : وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار ( في أمم ) أي : مع أمم . فذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز وجل ، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم يطع ربه ولا والديه ، ( إنهم كانوا خاسرين ) وقرأ ابن السميفع ، وأبو عمران : " أنهم " بفتح الهمزة . ثم قال : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إيمان وكفر ، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة ، وأهل النار في العذاب ( وليوفيهم أعمالهم ) قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو : " وليوفيهم " بالياء ، وقرأ الباقون : بالنون ، أي : جزاء أعمالهم . قوله تعالى : ( ويوم يعرض ) المعنى : واذكر لهم يوم يعرض ( الذين كفروا على النار أذهبتم ) أي : ويقال لهم : أذهبتم ، قرأ ابن كثير : " آذهبتم " بهمزة مطولة . قرأ ابن عامر : " أأذهبتم " بهمزتين . وقرأ نافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : " أذهبتم " على الخبر ، وهو توبيخ لهم . قال الفراء والزجاج : العرب توبخ بالألف وبغير الألف ، فتقول : أذهبت وفعلت كذا ؟ ! وذهبت ففعلت ؟ ! قال المفسرون : والمراد بطيباتهم : ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها . ولما وبخهم الله بذلك ، آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا ، فقال : يا رسول الله : أنت نبي الله وصفوته ، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير ؟ ! فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عمر ، إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم ، وهي وشيكة الانقطاع ، وإنا أخرت لنا طيباتنا " . وروى جابر بن عبد الله قال : رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي ، فقال : ما هذا يا جابر ؟ فقلت : اشتهيت لحما فاشتريته ، فقال : أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر ؟ ! أما تخاف هذه الآية : " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " . وروي عن عمر أنه قيل له : لو أمرت أن نصنع لك طعاما ألين من هذا ، فقال : إني سمعت الله عير أقواما فقال : " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " . قوله تعالى : ( تستكبرون في الأرض ) أي : تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به . واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ( 21 ) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 22 ) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت